محمد حسين علي الصغير
93
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
تعود تلك الخصائص ظاهرة لغوية معينة يؤيدها أسلوب القرآن المرة بعد الأخرى ، وتمثلها في كتاب اللّه تعالى عند الآية ، هذه الخصائص تتجسد بأبرز مظاهرها الفنية في إسناد الحدث إلى غير فاعله ، وتحاشي ذكر المسبب في إيجاده ، وكان القرآن في هذا وذاك يريد التوجه الجدي الحثيث منصبا إلى الحدث ذاته ، والتفكير منحصرا في أبعاده ، دون النظر في الفاعل والمبدع له ، أنى كانت نوعيته وكيفيته ، وهذا ما حدب على تصويره القرآن في مظهرين عظيمين حينما يتحدث عن يوم القيامة مثلا . المظهر الأدل في مجاله ، الحقيقي وتعبيره الاستعمالي الأصل : 1 - يتحدث النص القرآني عن أحداث الساعة ، والتزلزل الكوني في العالم عندها ، والتغيير المفاجئ لمعالم الدنيا البصرية والحسية ، فتجيء صفة الأحداث في إسنادها مبنية للمجهول في عشرات الآيات بل مئاتها من القرآن ، ولنقف عند سورة التكوير : إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ 1 وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ 2 وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ 3 وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ 4 وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ 5 وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ 6 وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ 7 وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ 8 بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ 9 وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ 10 وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ 11 وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ 12 وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ 13 عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ 14 « 1 » . وباستقراء هذه الآيات الأربع عشرة ، نجد منها اثنتي عشرة آية قد بنيت أفعالها للمجهول ، وطوي ذكر الفاعل فيها وهي : كورت ، سيرت ، عطلت ، حشرت ، سجرت ، زوجت ، سئلت ، قتلت ، نشرت ، كشطت ، سعرت ، أزلفت . والقارئ للقرآن يدرك بالفطرة المودعة لديه ، أن الفاعل الحقيقي هو اللّه تعالى بقدرته ، أو بأمره ، أو بإرادته ، أو بتوجيهه لملائكته في تنفيذ ذلك ، فصدوره عنه لا شك في ذلك لأنه الجامع بين هذه الأشتات ، والمنظم لهذه المتفرقات ، أوجدها وأفناها وسخرها وأنطقها ورتبها ، ولكن
--> ( 1 ) التكوير : 1 - 14 .